تخيلت نفسي للحظة أقف على مسرح ضخم، حشد من الناس يجلسون أمامي وينتظرون ان يسمعوا ماذا سأقول، الإضاءة قوية ولكنها خافتة على المسرح، الصف الأول به أعز الناس على قلبي، والصف الثاني يجلس به زملاء العمل والدراسة والبقية هم من المريدين، لكن هل لدي ما أقوله لهؤلاء الناس حقًا؟ هل أملك من التجارب والخبرة والحكمة لكي أجعل نفسي معلمًا لهؤلاء؟ نظرت لوجهي في زجاج النافذة الذي يعكس ظله ضوء الهاتف الذي لم يكف عن انذاري بأن البطارية 9% وتحتاج للشحن ثم قلت: من تظن نفسك؟
تمنيت لو أنني أملك قصة حياة ملهمة ومؤثرة، بها الكثير من العثرات، الاحباطات، النجاحات، السفر للخارج، الدكتوراة، التدريس بالجامعات المرموقة، تأليف الكتب، برامج تلفيزونية، صفحة على فيسبوك بها مليوني متابع... قصة حياة تستحق أن يُنصت إليها.
فكرت في الأمر قليلاً كم كنت متأثرًا بأبطال الروايات، حسنًا، ربما لم أملك يومًا قصة تُروى على السامعين، لكنني أملك شيئًا آخر.
في الحقيقة، بيني وبين نفسي لا أريد أن أقف على المسرح، ولا أريد تلك الأضواء، لا أريد الملابس المنمقة، والبرفانات الجذابة، لا أريد منصب وظيفي به حروف إنجليزية مختصرة، لا أريد أن يتابعني ولا يتبعني أحد، ولا أريد أن أجلس على كرسي جلدي مسندًا ظهري وواضعًا "رجل على رجل" أقص حكايتي على الناس لكي يستلهموا منها العبر. لا أريد سيارة بها فتحة سقف، ولا منزلاً به بوابة حديدية تفتح بالريموت، ولا حديقة تسع حفل زفاف أحد أبنائي.
أريد أنا أحيا فقط، أن أظل استمتع بلقمة الجبنة القديمة والبطيخ في عز الظهيرة، أريد أن أجلس على الأرض مرتديًا الجلابية القمحي تحت شجرة الزيتون أمام المنزل ذو الدور الواحد قبل المغرب احتسي الشاي المغلي بالنعناع في كوب ليس له يد يُمسك منها فتلسع يدي لسعة خفيفة عندما أحاول أن أأخذ أول رشفة، أريد أن استمع لإذاعة القرأن الكريم قبل آذان الفجر في الشتاء وأنا ارتجف من البرد وابحث عن الكوفيّة الرمادي تلك لكي تدفئني، أريد أن أسافر للجبال وليس للبحار، أريد أن أصلي في الحرم والمس الكعبة بيدي، أريد أن احفظ سورة الرعد واصلي بها ركعتين السنة في رمضان... أريد أن يظل قلبي يخفق، وعيني تدمع، وروحي تعلو، وجسدي يقوى. أريد ان أكون كما تريد نفسي.
لا أريد أن اترك أثرًا لا يمحى لكنني أريد أن يدعو لي الناس خفية بظهر الغيب، لأ أريد أن أنال التقدير والشكر لكنني أريد أن أنام ليلاً وأنا لا أحمل في نفسي حقدًا ولا حسدًا. أريد الرضا والتسليم.
إن كان هناك فرصة لأقف على هذا المسرح ذات يوم فسوف أنظر مباشرة في أعين أحد الحاضرين في صمت، ثم أقول له: "من تظن نفسك؟"
