تقرير حوادث ٢٠٢٤: إيه اللي حصل على طرق وسكك حديد مصر؟

0


كل سنة، بنستنى تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، اللي بنعتبره كشف حساب رسمي للي بيحصل على طرق وسكك حديد بلدنا. تقرير 2024 نزل، وبصراحة، هو يعتبر من أغرب التقارير  اللي اتنشرت في السنين الأخيرة. ليه؟ لأنه مليان تناقضات بتحكي قصة معقدة جدًا عن مصر.

في المقال ده، هنفصص التقرير ده حتة حتة، بالأرقام الدقيقة، عشان نفهم مع بعض إيه اللي بيحصل بالظبط.

أولًا: حوادث العربيات.. اللغز الكبير!

تخيل معايا إن عندك اتجاهين ماشيين عكس بعض تمامًا في نفس الوقت. ده بالظبط اللي حصل في حوادث الطرق السنة دي.

1- المصابين: الرقم اللي بيزيد ومقلقنا كلنا

هنا الخبر اللي مش حلو. عدد الناس اللي اتصابت في حوادث الطرق زاد بشكل واضح.

  • الرقم بالظبط: عدد المصابين نط من 71,016 واحد في 2023 لـ 76,362 مصاب في 2024. يعني زيادة 7.5%. ده معناه إن فيه أكتر من 5000 شخص زيادة اتصابوا السنة دي.

  • مين أكتر محافظة بتعاني؟

    • الدقهلية هي بؤرة الإصابات في مصر بـ 15,563 مصاب. يعني تقريبًا خُمس (20.4%) مصابين الجمهورية كلها من محافظة واحدة! ده رقم يستدعي وقفة كبيرة لدراسة الوضع هناك.

    • أهدى محافظة: السويس سجلت 39 إصابة بس.

  • مين اللي بيتصاب؟

    • الرجالة أكتر: 81% من المصابين كانوا رجالة (61,853 واحد)، قصاد 19% بس ستات.

    • الشباب في وش المدفع: أكتر فئة عمرية بتتصاب هي الشباب من سن 15 لـ 25 سنة، ودول بيمثلوا حوالي 32.4% من إجمالي المصابين. ده بيأكد إن الحماس والتهور في السن ده ليهم تمن كبير على الأسفلت.

2- الوفيات: النقطة المضيئة اللي لازم نكبرها

وهنا بقى الخبر الحلو اللي بيوازن الصورة. بالرغم من زيادة الإصابات، عدد الناس اللي بتموت على الطرق قل.

  • الرقم بالظبط: عدد الوفيات نزل من 5,861 في 2023 لـ 5,260 متوفى في 2024. ده انخفاض بنسبة 10.3%. يعني نجحنا السنة دي إننا ننقذ حياة حوالي 601 شخص كانوا هيموتوا لو الوضع فضل زي السنة اللي فاتت.

  • مين أكتر محافظة فقدت ناس؟

    • القاهرة للأسف هي الأعلى بـ 766 حالة وفاة.

    • السويس برضه هي الأقل بـ 6 وفيات بس.

إزاي نفهم اللغز ده؟ الإصابات تزيد والوفيات تقل!

السر في مؤشر مهم اسمه "معدل القسوة". فكرته بسيطة: لكل 100 واحد بيتصاب، يا ترى كام واحد منهم بيموت؟

  • في 2023، المعدل كان 8.3.

  • في 2024، المعدل نزل لـ 6.9.

  • التحسن ده نسبته 16.9%، ودي نسبة ممتازة.

ده معناه حاجة مهمة جدًا: لما بتحصل حادثة دلوقتي، فرصة إن المصاب يعيش بقت أكبر. طب ليه؟

  1. الإسعاف أسرع: ممكن تكون عربيات الإسعاف بتوصل أسرع وبتتعامل مع المصابين بشكل أفضل.

  2. الطرق الجديدة أمان: الطرق الحديثة اللي بتتعمل (زي المحاور والكباري) تصميمها بيخلي الحادثة نفسها أقل عنفًا. يعني بدل ما عربيتين يدخلوا في وش بعض، ممكن يخبطوا في الحاجز الخرساني، والخسائر تكون أقل.

  3. الوعي بيزيد؟ ممكن يكون فيه ناس أكتر بتلبس حزام الأمان، وده بيفرق جدًا في النجاة.

ثانيًا: حوادث القطارات.. حوادث أكتر، بس "خطرها" أقل بكتير!

نفس اللغز بنشوفه في السكة الحديد، بس بشكل أوضح.

  • عدد الحوادث (الخبر المقلق):

    • عدد حوادث القطورات زاد من 181 لـ 220 حادثة، يعني زيادة بنسبة 21.5%.

    • التقرير بيقول إن حوالي نص الحوادث دي (48.6%) سببها "الغير"، يعني عربيات بتقتحم مزلقانات أو ناس بتعدي من أماكن غلط.

  • النتائج (الخبر المفاجئ):

    • الحوادث دي سببت 57 حالة وفاة و104 مصابين.

    • معدل القسوة هنا حصل فيه ثورة!
      المعدل ده انهار من 103.9 في 2023 (وده كان رقم كارثي معناه إن الوفيات كانت أكتر من الإصابات أحيانًا) لـ 54.8 بس في 2024.

      إيه اللي حصل؟
      ده ممكن يكون أهم مؤشر في التقرير كله. معناه إن حوادث القطارات اللي حصلت السنة دي كانت أخف بكتير. بدل حوادث تصادم القطارات الكارثية اللي شوفناها زمان، أغلب الحوادث دلوقتي ممكن تكون "خروج عن القضبان" أو حوادث فردية عند المزلقانات. ده ممكن يكون دليل على إن أنظمة الإشارات الجديدة بدأت تمنع الكوارث الكبيرة، لكن لسه عندنا مشكلة ضخمة في تأمين المزلقانات وتوعية الناس.

ثالثًا: مين أكتر ناس بتموت على الطريق؟ وإيه أكتر عربيات بتسبب الوفاة؟

  • المشاة هما الضحية الأكبر: للأسف، 40% من اللي ماتوا على الطرق كانوا مشاة بيعدوا الطريق (2,125 واحد). ده بيورينا إن طرقنا، خاصة السريعة، مش صديقة للمشاة خالص.

  • العربيات الملاكي والموتوسيكلات:

    • العربيات الملاكي هي المسؤولة عن أغلب الوفيات (56% من الإجمالي).

    • الموتوسيكلات بتيجي في المركز التاني بـ 897 حالة وفاة. وانتشارها الكبير وعدم التزام سواقينها بالأمان بيخليها خطر كبير على الطرق.

الخلاصة.. إحنا فين دلوقتي؟

تقرير 2024 بيدينا صورة واضحة:

  • النجاح: إحنا نجحنا في إنقاذ الأرواح بعد ما الحادثة بتحصل. الطرق الجديدة والإسعاف بيعملوا فرق كبير.

  • التحدي: إحنا لسه بنفشل في منع الحادثة إنها تحصل من أصلها.

الخطوة الجاية لازم تكون تركيز كلي على "السلوك". سلوك السواقين، تطبيق القانون بجدية، التوعية اللي توصل للناس، وتأمين المزلقانات اللي لسه بوابات مفتوحة على الخطر. إحنا بنينا طرق كويسة، ودلوقتي جه الوقت اللي لازم نتعلم فيه إزاي نمشي عليها صح.









خلي بالك من نفسك

0


لما كان حد بيقولي: خلي بالك من نفسك

وهي جملة عابرة بنسمعها كتير في نهاية مكالمة او في نهاية لقاء بين اي اتنين.
والطبيعي اني هقول حاضر وانت كمان. لكن في الحقيقة خلي بالك من نفسك هي مش طلب على قد ماهي وصية.. وصية ود ورحمة.
أوصيك يا عزيزي أنك تاخد بالك من نفسك، تنتبه لها، تقدرها، تهتم بيها، تراعي احتياجتها.. وأوصيك يا عزيزي أن تتحمل مسؤولية نفسك.
مش مأكل وشراب وملبس، لأ. المسؤولية عن نفسك يعني تتحمل عبء انضاجها، وصبر تعليمها، ووقت تزكيتها،
زي كأن عندك زرعة ريحان في البلكونة، تسقيها، تراعيها، تحطها في الشمس وقت ما تحتاج وتجدد لها التربة. والا هتصفر وتدبل.... وتموت.
زي ما هنتحاسب عن اهمالنا للريحان، اهمالنا في الشغل، اهمالنا في تربية الاولاد، هنتحاسب على اهمالنا لنفسنا. والمفاجأة ان العقاب فوري، انت بتعاقب نفسك بنفسك..وبتظلم نفسك بنفسك.
رحلتنا طويلة، والسعي مطلب وواجب، واحنا اللي بنختار، اما نستجدع ونشيل نفسنا، ونتحمل مسؤولية ده، (وده على فكرة صعب وتقيل ومعقد) او نكتفي بالمشاهدة.
يكفينا أن ربنا يسمع ويرى، ويعلم بالمحاولات والسعي.
وكلنا حسب نيتنا وطاقاتنا وبذلنا.
الله المستعان....
ونسأله أن يهدينا سبلنا، ويبصرنا، ويرزقنا الصبر والثبات، والعلم والإيمان، واليقين والرضا. ويجعل كل عملنا خالصًا لوجه، ويتقبل منا.
والحمد لله رب العالمين.

x

جلابية وكوباية شاي

0


ذات يوم أثناء عودتي من سفر يوم شاق وطويل، أسندت راسي على النافذة ناظرًا نحو السماء الشاسعة، كان القمر مختفيًا لكن النجوم منحتني تلك الفرصة لكي أذكر الله واتأمل هذا الجمال، وقتها سألت نفسي لماذا كل هذا العناء؟
تخيلت نفسي للحظة أقف على مسرح ضخم، حشد من الناس يجلسون أمامي وينتظرون ان يسمعوا ماذا سأقول، الإضاءة قوية ولكنها خافتة على المسرح، الصف الأول به أعز الناس على قلبي، والصف الثاني يجلس به زملاء العمل والدراسة والبقية هم من المريدين، لكن هل لدي ما أقوله لهؤلاء الناس حقًا؟ هل أملك من التجارب والخبرة والحكمة لكي أجعل نفسي معلمًا لهؤلاء؟ نظرت لوجهي في زجاج النافذة الذي يعكس ظله ضوء الهاتف الذي لم يكف عن انذاري بأن البطارية 9% وتحتاج للشحن ثم قلت: من تظن نفسك؟

تمنيت لو أنني أملك قصة حياة ملهمة ومؤثرة، بها الكثير من العثرات، الاحباطات، النجاحات، السفر للخارج، الدكتوراة، التدريس بالجامعات المرموقة، تأليف الكتب، برامج تلفيزونية، صفحة على فيسبوك بها مليوني متابع... قصة حياة تستحق أن يُنصت إليها.
فكرت في الأمر قليلاً كم كنت متأثرًا بأبطال الروايات، حسنًا، ربما لم أملك يومًا قصة تُروى على السامعين، لكنني أملك شيئًا آخر.

في الحقيقة، بيني وبين نفسي لا أريد أن أقف على المسرح، ولا أريد تلك الأضواء، لا أريد الملابس المنمقة، والبرفانات الجذابة، لا أريد منصب وظيفي به حروف إنجليزية مختصرة، لا أريد أن يتابعني ولا يتبعني أحد، ولا أريد أن أجلس على كرسي جلدي مسندًا ظهري وواضعًا "رجل على رجل" أقص حكايتي على الناس لكي يستلهموا منها العبر. لا أريد سيارة بها فتحة سقف، ولا منزلاً به بوابة حديدية تفتح بالريموت، ولا حديقة تسع حفل زفاف أحد أبنائي.

أريد أنا أحيا فقط، أن أظل استمتع بلقمة الجبنة القديمة والبطيخ في عز الظهيرة، أريد أن أجلس على الأرض مرتديًا الجلابية القمحي تحت شجرة الزيتون أمام المنزل ذو الدور الواحد قبل المغرب احتسي الشاي المغلي بالنعناع في كوب ليس له يد يُمسك منها فتلسع يدي لسعة خفيفة عندما أحاول أن أأخذ أول رشفة، أريد أن استمع لإذاعة القرأن الكريم قبل آذان الفجر في الشتاء وأنا ارتجف من البرد وابحث عن الكوفيّة الرمادي تلك لكي تدفئني، أريد أن أسافر للجبال وليس للبحار، أريد أن أصلي في الحرم والمس الكعبة بيدي، أريد أن احفظ سورة الرعد واصلي بها ركعتين السنة في رمضان... أريد أن يظل قلبي يخفق، وعيني تدمع، وروحي تعلو، وجسدي يقوى. أريد ان أكون كما تريد نفسي.

لا أريد أن اترك أثرًا لا يمحى لكنني أريد أن يدعو لي الناس خفية بظهر الغيب، لأ أريد أن أنال التقدير والشكر لكنني أريد أن أنام ليلاً وأنا لا أحمل في نفسي حقدًا ولا حسدًا. أريد الرضا والتسليم.
إن كان هناك فرصة لأقف على هذا المسرح ذات يوم فسوف أنظر مباشرة في أعين أحد الحاضرين في صمت، ثم أقول له: "من تظن نفسك؟"

حلاوة الكتابة ومر الحياة

0




قبل أن أبدأ في كتابة هذه التدوينة كنت أفكر متسائلاً لماذا توقفت عن الكتابة منذ فترة؟ ولماذا ينتهي الحال بكل مشروع كتابي جديد إلى القمامة؟ ولماذا لم أستمر في التدوين في مدوناتي الخمس السابقة؟ بل ننتقل الي السؤال الأهم: لماذا أنا أحب الكتابة من الأساس؟ 

اكتشفت حُبي للكتابة متأخرًا منذ عامين تقريبًا وفي هذين العامين لم يتجاوز إنتاجي من المقالات المنشورة سوى أربع أو خمس مقالات فقط أما غير المنشورة أو غير المكتملة فلا أتذكر عددهم. على الرغم من أن هذه المقالات لم تكن تناقش قضايا مهمة إلا أنها نالت إعجاب الكثير من الأصدقاء وأخبروني أن أستمر في الكتابة وبالتدريب والممارسة سوف يتطور الأسلوب ويبقى لك جمهور عريض من القراء.

كنت أخاف كثيرًا عندما أبدأ في كتابة شيء أن لا ينال الإعجاب أو أن يجلب لي السخرية، كنت أفكر جيدًا في جدوى الكتابة وهل فعلا تستحق هذه النشر أو هل تستحق أن يقضي القارئ دقائق من وقته في قراءة هذا الشيء. تأخذني الأفكار إلى اليمين واليسار محاولاً إرضاء جميع الآراء واقوم بالتعديل والحذف والإضافة أكثر من مرة حتى يخرج في النهاية في صورة مقبولة.


في الحقيقة أستطيع أن ألخص إجابة الأسئلة التي طرحتها في البداية في كلمة واحدة وهي الهروب. الهروب من الفشل ومن التجربة والمغامرة، من الإحساس بالخوف، من الالتزام والروتين، الهروب من النجاح، والأهم والمثير للسخرية أنى أهرب من العيش في حياة تلائم قدراتي وحياة أؤمن فيها بنفسي إلى حياة أعيشها مجبرًا بدلا من شخص آخر. لكن الاستسلام لن يؤدى إلى راحة أبدية بل ستظل ترهق روحك وتفني عمرك وفي النهاية سينسب ما أنجزته إلى آخر غيرك، آخر لم تكن تعرفه ولكنك قبلت أن تعيش حياته وقبلت أن تفرط في حياتك، قبلت صفقة التبادل هذه فلا تلوم أحد لا نفسك. 

هذه ليست المرة الأولى التي أتحدث فيها عن أهمية الكتابة بالنسبة إلي، وأشرح كيف أنها تجعلني في حال أفضل، وعن أمنياتي بأن أصبح كاتبًا مشهورًا في المستقبل لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ لا أعلم، أو في الحقيقة لا أود أن أعلم، فأحيانًا نهرب من معرفة الحقيقة خوفًا من أن تؤلمنا أو توقظنا من غفلة ممتعة.

منذ طفولتي وأنا لا أحب الكلام أو التحدث كثيرًا، كنت أثناء الدراسة لا أقوم بالإجابة على أية أسئلة ما دام لم توجه إلي مباشرة حتى لو كنت أعلم إجابة السؤال مسبقًا أخاف أن أخطأ وأحتفظ بها لنفسي، أتذكر ذات مرة قامت المُعلمة بتوجيه سؤال ما في المنهج إلى كل الفصل لكن لم يقم أحد بالإجابة عليها، فقامت توقف كل طالب بالترتيب وتسأله مباشرة ومن لم يجب يلقى جزاءه من العصا أو "الخرزانه"، حتى جاء الدور علي فأجبت السؤال وسؤال آخر إضافي فطلبت من زملائي الآخرين أن يحيّوني على هذا، بعدها سألتني مستفسرة لماذا لم أقم بالإجابة ما دمت أعرفها حتى كنت وفرت عليها كل هذا العناء؟

أخبرتها أنى لم أكن أعرفها تمامًا ولكني كنت أفكر فيها حينما كانت هي تدور على الطلبة بالعصا ولما اقتربت مني تذكرت الإجابة. تلك كانت إجابة غير منطقية لكنها قبلت بها، أما الحقيقة فأنا كنت أعرف الإجابة حق المعرفة لكن لم أمتلك الجرأة لاتحمل نتيجة قراري وكنت أخاف من عواقبه بالذات إن كانت الإجابة خطأ.

ومنذ ذلك الحين وأنا على هذا الحال، أفضل المحادثات النصية على الهاتفية، أفضل أن أجلس أشاهد فيلم على أن أقوم بجولة ترفيهية مع صديق، حتى حينما يطلب مني أن أعبر عن رأيي لفظيًا أجد صعوبة في تكوين الجمل والربط بين الأفكار، الأمر على العكس في الكتابة، أستطيع أن أعبر عن رأيي كتابيًا بسهولة ويسر، أستطيع أن املأ صفحات من الورق كما شئت فمجرد أن ابدأ أول سطر تجد الحروف تنساب وتتدفق مثل الماء المنهمر ولا أتوقف إلا حينما أشعر بالتعب أو ينتهي الورق!

أحتار كثيرًا حينما أفكر في الأمر، ألست أحب الكتابة؟ ألست أجد نفسي في راحة عندما أترك لنفسي المجال للكتابة؟ إذا لماذا أتوقف ولا أستمر؟ لماذا توجد عشرات المقالات الغير مكتملة؟ أمر يشعل غضبي كثيرا أنى لا أستطيع الإجابة على كل هذه الأسئلة. لكن أهون على نفسي.

في هذه الحياة لا أحد ينال ما يريد بسهولة، لابد أن تظل تجرى وراء شيء طوال حياتك تحاول بلوغه أي كان هذا الشيء المهم هو أن تجعل لحياتك معنى، أن تجعل لعنائك وإرهاقك في العمل معنى، أن تجعل لنومك مبكرًا واستيقاظك مبكرًا معنى، أن تجعل لركوبك أتوبيس النقل العام كل صباح معنى، ركوبك للميكروباص والمترو معنى، تحملك لروائح العرق الكريهة ووقوفك في الشمس الحارقة معنى، بدون وجود معنى فلا قيمة لأي فعل تقوم به.

الحل هو أن نظل نقاوم ونظل نتمسك بخيط الشمس الرفيع الذي يتسرب من النافذة المغلقة ليضيء الغرفة المظلمة، وإن تأخرت الشمس في الشروق فلا تضجر وتمهل وانتظر حتى يطلع النهار واصبر.

ذكريات بطعم الفول

0


ذات صباح مثل صباح يومنا هذا استيقظت مليء بالأمل والطاقة على غير العادة، على الرغم من أني لم اعطي حق لجسدي في النوم أكثر من خمس ساعات ليست متواصلة، لكن دعنا من ذلك، فأنا أعلم ان منهجي في الحياة قائم على نوع من العشوائية في النوم والاكل والطاقة.

ذهبت نفسي مشتاقة الي طبق فول فعزمت على الخروج والذهاب الى أقرب مطعم. كنت اعتدت في كل يوم جمعة لابد ان يكون من ضمن اطباق الإفطار الفول، سواء كنت في المنزل او العمل او أي مكان آخر، هي تعتبر طقوس مثل ارتداء الجلباب الأبيض، على الرغم من أني لا امتلك واحدًا. 
ذهبت الى أقرب مطعم فوجدته مغلق، شككت في بداية الامر اننا في يوم الجمعة لان هذا المطعم لم اره مغلقًا منذ اتيت الى هنا، لكن على اية حال لم يغير ذلك من رغبتي شيء، قررت الذهاب الى المطعم الاخر في نهاية السوق، بالرغم من ان المطعم الأخير جودته اعلى وطعم الفول لديه أفضل لكني كنت عزمت على الشراء من المطعم الأول قبل خروجي من الباب او قبل ان اضع المال في جيب بنطلون الترنج، لذلك لم انوي في لحظة ان اغير خطتي غير ان صاحب المطعم قرر ان يغيرها هو.

بعدما قررت الذهاب الى المطعم الابعد، استبطأت في السير ثم وقفت تمامًا، وبدأت أفكر في جدوى الامر، هل لابد من الفول ام بإمكاني ان استبدله بشيء موجود بالفعل في الثلاجة مثل البطاطس المسلوقة التي جردتها من قشرها بعدما تركتها تستغيث بلهيب عين البوتاجاز وتتعذب في الماء المغلي حتى نقص منسوب المياه الى النصف، او بحلاوة البوادي البار، او بجبنة الفيتا ليس لها ميزة غير انها ناصعة البياض مثل ملابس إعلانات المساحيق اليدوية.

في النهاية اخبرت نفسي انه لا داعي للقلق، فالميزانية تتحمل مثل تلك الرغبات الفقيرة، وقدمي ايضًا تتحمل السير لمسافات طويلة بحذاء رقيق مقطوع من اصبعه.

عندما اقتربت من المطعم بدأت الفكرة السابقة تعود بقوة، حيث وجدت انه من المستحيل ان انال بعض الفول قبل نصف ساعة على الأقل بسبب تلك الاعداد الغفيرة من البشر، قلّبت الفكرة في رأسي هل أعود الى البطاطس واحمد الله على ذلك، ام أكمل طريقي للنهاية.

للمرة الثالثة أأخذ قرار آخر بأن أقف في الطابور وانتظر دوري في توزيع تلك الغنيمة البقولية، ذهبت ناحية ما يسمونه كاشير يدوي، كانت امرأة منتقبة تجلس على كرسي خشبي مرتفع وأمامها مكتب مستطيل ذو واجهة دائرية مساحته في حدود مترين ونصف مربع، استطعت بمهارة وخبرة معًا ان اعرف انها لم تتجاوز الثلاثين على الأرجح او تجاوزتهم بقليل.

أعطيتها ما لدي من فكه مختلطة بين نصف جنية ورق وجنية آخر معدني، نظرت إليهم بدون اهتمام وازاحتهم من امامها قائلة:" مفيش بجنية ونص فول "، قلبت في جيب البنطلون على نصف جنية آخر ولم أجد، تذكرت نصف جنية ورق كان في الحافظة في الجيب الاخر من البنطلون، أخرجت المحفظة وأخرجت النص جنية وهممت بإعطائها إياه لكني سحبت يدي من أمامها وسحبت النقود الأخرى واعدت كل شيء الى موضعه في البنطلون وتركتها وتركت المطعم والفول، وتبخر الحلم بقرار رابع ليس لي دخل في أسبابه، انما الفلاح الإنجليزي هو السبب الرئيسي.

عدت من حيث أتيت أجر في اقدمي، في الطريق تأملت النصف جنية الورق الذي كنت احتفظ به في مكان ما داخل المحفظة وحيدًا معتزًا به وبمن أعطاني إياه، نظرت اليه ثم فككت طبقاته باهتمام ليصبح في حالته الطبيعية وقرأت ما كتب عليه ثم ابتسمت وغمرني إحساس بالعزة والكرامة أني لم أفرط في حق صاحبه بالرغم من احتياجي الحثيث له ثم أعدته عزيزًا كريمًا الى موضعه ليرقد في سلام واطمئنان.

في النهاية قبلتُ بالبطاطس وقبلت بي هي الأخرى، وقررت هنا قرار خامس، انه لن ادع شخصًا مهما كان يكتب لي على ورقة نقود مرة أخرى. 

إدمان التواصل

0


ما هي أسباب إدمان الهرويين؟
سؤال غبي اليس كذلك؟، الهرويين بالطبع هو سبب إدمان الهرويين. ويحدث عن طريق تناول الشخص جرعات منتظمة من المادة لمدة 20 يومًا، بعدها يصبح الجسم متلهف بشده للجرعة نتيجة تفاعل المادة الكيمائية للهرويين مع الدم. ولكن هناك أمر ما غير صحيح، أو الامر برمته غير منطقي. لماذا؟
إذا كُسرت ساقك أو ذراعك سوف تنقل للمستشفى فورًا لكي يتم علاجك اليس كذلك، هناك سوف يعطونك جرعات من مادة دي مورفين (Diamorphine) المسكنة للألم لأسابيع او حتى أشهر لكي يتم علاجك. دي مورفين هو مثله مثل الهرويين بل في الحقيقة هو أقوى منه لأنه ليس ملوث بإضافات التجار التي يضعونها لكي يضمنوا نسبة ربح مرتفعة. حسنًا، هناك الآن في المستشفى التي بالقرب منك كميات كبيرة من الهرويين الفاخر ومرضى يتعاطون الهرويين ولن يشفوا بل سوف تدهور حالتهم ويموتوا.
لكن هذ لم يحدث، هم يخرجوا من المستشفى وتُشفى ساقهم المكسورة ولا يظهر عليهم أي من أعراض الإدمان.  إذا الهرويين ليس له ذنب في الإدمان.

حسنًا، ما هو سبب الإدمان الحقيقي؟
في البداية ترجع نظرية تفسير سبب الإدمان الى القرن العشرين حيث قام علماء بوضع فأر في قفص زجاجي مع زجاجتين من المياه، واحده فيها ماء فقط والأخرى فيها ماء مع كوكايين، تقريبًا في كل مره نفذت التجربة كان الفأر يصبح مهووسًا بالماء المخدر ويظل مستمرًا على حاله في تناول الجرعات بطريقة متزايدة حتى يقتل نفسه.
لكن في السبعينات قام عالم يدعى بروس ألكسندر (Bruce Alexander) بأجراء تعديل على شكل التجربة، حيث قام ببناء منتزه للفئران (Rate Park) وجعل فيه كل شيء يتمناه الفئران في حياتهم مثل الانفاق والجبن والكرات الملونة وأصدقاء مما جعل حياتهم مترفه وسعيدة، وقام بوضع زجاجتين المياه العادية والمخدرة وأخذ يراقب نتيجة التجربة، كانت النتيجة مفاجئة حيث لم يتناول فأر واحد بالكاد من الزجاجة المخدرة بشكل مهووس او مفرط في الجرعة، لا أحد منهم استخدمها بشكل منظم او إلزامي.

هذه قد تكون تجربة يصعب تعميمها على البشر، دعني أخبرك بتجربة أخرى.
في حرب فيتنام كان يوجد 20% من القوات الامريكية استخدموا الهرويين، الناس ذعروا من هذا الخبر وتوقعوا ان الشوارع سوف تمتلئ بالمدمنين في كل مكان، لكن هذه لم يحدث. في دراسة تبعت هؤلاء المجندين في بيوتهم وجدوا شيء ملحوظا، انهم لم يذهبوا الى مراكز التأهيل، ولم يصبحوا مدمنين ايضًا. 95% منهم توقفوا بعد أن عادوا الى منازلهم مباشرة.

ليست المشكلة في المواد الكيمائية، المشكلة في القفص الخاص بك.
إذا كنت مؤمن بالنظرية القديمة للإدمان إذا انت على خطأ، ولكن إذا كنت تؤمن بنظرية البروفيسور ألكسندر فأنت على حق. لأنه إذا وضعت في غابة مرعبة وحيدًا في بلد أجنبي حيث ستضطر للقتل أو الموت في أي لحظة فإن استخدام الهيرويين وسيلة رائعة لقضاء بعض الوقت، ولكن إذا عدت الى منزلك مع عائلتك واصدقائك فهذا يشبه الخروج من القفص الأول الى المنتزه البشرى.

البشر بطبيعتهم لديهم حاجة فطرية الى الترابط والاتصال مثل حاجتهم لشرب الماء، عندما نكون سعداء وبصحة جيدة، سوف نترابط ونندمج مع الناس ونكون علاقاتنا الخاصة، أما عندما نكون مصابون بصدمات نفسية او بائسين من الحياة ومعزولين لا نستطيع أن نتواصل مع البشر من حولنا فأننا سوف نرتبط بشيء يعطينا الشعور بالارتياح، قد يكون الجلوس امام التلفاز لساعات طويلة او العاب الفيديو او لعب القمار او التحقق من الهاتف الذكي الى ما لا نهاية أو الكوكايين.
سوف نحاول أن نخلق لأنفسنا بديلا نتصل به ونترابط معه لكي نشبع حاجتنا البشرية. طريق التخلص من الارتباطات الضارة هو تكوين ارتباطات صحية، أن تكون متصلا بالناس وحاضرًا معهم.
في إحصائية ظهرت في الولايات المتحدة انه منذ خمسينات القرن الماضي ومتوسط عدد الأصدقاء للفرد الأمريكي يتراجع في الوقت نفسه مقدار المساحة الأرضية في منازلهم تزايدت.

أين الخلل، وما الحل؟
جميع الحروب التي قامت بها المجتمعات على المخدرات قد جعلت كل شيء أسوأ، لأنهم يحاربون السبب الخطأ بالتالي لن يصلوا إلى النتيجة الصائبة. نحن نحتاج أن يتعافى المجتمع من الإدمان وليس الأشخاص، نحتاج أن ندرك الخلل ونقوم بإصلاحه، نحتاج أن نتواصل ونترابط مع بعضنا البعض، نحتاج الى بناء مجتمع يشبه منتزه الفئران وليس بناء أقفاص زجاجية معزولة.

في الحقيقة عكس كلمة الإدمان ليس التعافي، عكس الإدمان هو التواصل والخروج من القفص.



المصادر:
1-فيديو يشرح الفكرة:   Addiction






لِما تكتب !

0

ليس كل ما يجول فى خاطرى يستحق أن تعرفه، لكن بعضه يستحق. بعضه هذا لا استطيع أن أخبرك به لفظيًا وجه لوجه، لكن أستطيع أن أخبرك به كتابيًا بالورقة والقلم.

لم أقرأ مائة كتاب حتى أطلق على نفسى لقب كاتب ولا حتى عشرة كتب، ليس لدي فكر أو أسلوب، ليس لدي معرفة كامله بشيء يستحق أن أكتب عنه، كل ما فى الامر انى احب ذلك الشيء الذى يسمونه الكتابة،أحب أن أجد شئ ابوح اليه باسرارى ويسمع منى صوت أفكارى، أحبُ وما دمت تحب شيئًا فلابد أن تعبر له عن حبك ولو بنظرة أو ورده أو إشارة... أو حتى كلمة.
 ما دمت تحب فعليك أن تثبت لحبيبك انه يستحق تلك المحبة وانك تستحق أن يبادلك نفس الاحساس.

أنا اكتب لكي أظل أنا، ولكي اضع امام قسوة هذه الدنيا حائط يحول بينى وبينها، حائط أختبئ وراءه من عواصفها وتقلباتها، حائط أخرج فى الصباح من خلفه لكي اواجه العالم وأهرول اليه ليلاً لكي يأوينى بين جدرانه، فلا يبقى لى مأوى  الا الله، ثم الحائط. عندما أعود اليه ليلا اجده فى انتظار حكاية النوم، لا تغفل له عين الا حينما احكى له عن يومى وكيف يعيش الناس حياتهم، أحكى له عن العدل والظلم والصدق والكذب عن الامانة والخيانة،عن الامان والحب والهوى، عن الرزق والحكمة والصبر، عن خناقة المواصلات يوميًا على الأجرة وعن المرأه التى تبيع المناديل أمام باب الجامعة منذ ثلاث سنوات، عن الرجل ذو الشعر الابيض الذى يجلس على الرصيف ليريح ظهره من جمع زبالة الناس، عن الشاب الذى شحب وجه وذبلت عينيه مثل اوراق نبات جفت من قلة المياه ومن السهر  فى العمل ليلاً لكي يوفر حياة كريمة لزوجته مستقبليًا. عن الطفل الذى يمسح السيارات فى الاشارة واخته التى تبيع علب المناديل ذات الرائحة، عن اشياء لا تُرى بالعين إنما بالقلب.

الخيال هو رفيقى الوحيد فى هذا العالم الذى لا يمكن أن استغنى عنه، هو معى اينما اكون فى المواصلات او داخل قاعة المحاضرات، فى نومى وفى أحلامى، فى يقظتى وفى عملى، لماذا استغنى عنه وهو من يحيينى، من يمدنى بالكهرباء لكي أرى ما لا يستطيع ان يراه الآخرون، لذك من حقه علي ان يتحول الى واقع ولو كان على ورق ولكي يخرج من قوقعته ليرى النور. هو يستحق ذلك.

الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد طقوس او ان تحضر ورقه وقلم، أو تحرك اصابعك على لوحة المفاتيح، الكتابة هي انتقال من عالم الى عالم، من شخص الى شخص، تحول من حالة الى حالة، مثل تحول الماده من الحالة السائلة الى الغازية فإن الماء يصير بخار فى الهواء، كذلك الكتابة هي تحول شئ الى شئ مضاده تمامًا. شئ لايدركه عقل انسان فى فهم ماهيته بل يشعر به.

 أُكمل فى وقت لاحق  ....

الشغف أو الموت

0
"ميتٌ هو من يتخلى عن مشروع قبل أن يهمّ به، ميتٌ من يخشى أن يطرح الأسئلة حول المواضيع التي يجهلها، ومن لا يجيب عندما يُسأل عن أمر يعرفه.ميت ٌمن يجتنب الشغف ولا يجازف باليقين في سبيل اللايقين من أجل أن يطارد أحد أحلامه".
 بابلو نيرودا- شاعر تشيلي الجنسية حائز على جائزة نوبل فى الآداب.

إن الشغف يهون علينا بعضًا من بؤس الحياة، اُنس لنا فى وحدتنا ورفيق في عُزلتنا وظهرًا نتكئ عليه في سقوطنا وفشلنا، يحمل عنا آثار الفشل و يحثنا على المحاولة تلو الأخرى، ويكون الدافع والحافز حتي نقف على أقدامنا وننهض من عثرتنا.

منذ فترة، عندما كنت أستيقظ فى الخامسة والنصف فجرًا كل يوم للذهاب إلى الجامعة كنت أجد صعوبة  في القيام من علي الفراش،  بالرغم من أن هذه الحالة لا تدم أكثر من ربع ساعة بسبب صرخات المنبه الحادة، إلا أنها كانت كافية لتعكر صفو يوم جميل ومشرق من قبل أن يبدأ. كانت حالة من اليأس ومن الفتور واللامبالاة، فلا شيء ذو قيمة يدفعني لكي يجعلني بشوش الوجه، أو يجعلني أرد الابتسامة وتحيات السلام لأصدقائي وزملائي الذين أقابلهم يوميًا فى الجامعة.

الحياة كانت باهتة بدون لون يعطى لها قيمة، لم تكن شاقة ولم تكن سهلة، لم أجد لها وصفا يميزها عن حياة باقي البشر. غير إنها حياة مفتقدة للشغف و بدون هدف. لذلك قررت التوقف عن ممارسة الحياة الزائفة والبدء في البحث عن جوهر ومعنى لهذه الحياة.

حينما قررت أن أعلن عن حالة التمرد، كان علي أن أواجه نفسي أولاً. كان علي أن أقف أمام المرآة وانظر لهذا الشبح وأساله من أنت؟ وماذا تريد؟. أخبره أنى آسف له، أعلم أنى تأخرت على تلك اللحظة. إنها أسئلة على الرغم من أنها مصيرية، ألا إنها لم تخطر ببالي من قبل ولم أعرف كيف أجيب عليها.

أتخيل نفسي وعينيها تتسع من الدهشة وبنوع من العتاب تتساءل، أين كنت؟ لقد انتظرتك كثيرًا، ثم تحتضنني بين ذراعيها بحرارة ولهفة كلهفة الأم علي ابنها. عندها علمت أنى قد عدت للحياة بعد سفر دام أعومًا.

من الممكن أن تطول رحلة البحث عن الشغف، لكن الحياة بدون شغف كالحياة بدون أكسجين. حياة مليئة بالتنفس الصناعي المؤقت، حياة ليست حقيقية، لهذا كان لا بد من إيجاد شيء يستحق العناء ويستحق الاستيقاظ فجرًا كل يوم دون كلل أو ملل، ويستحق أن تفنى عمرك لأجله.

الموت هو أن تعيش مفتقد للشغف، فلا معنى لحياة تُبذل في سبيل لاشيء.



2016، عام البؤساء

0


"أنا أيها السادة، لست ممن يعتقدون أّنه بالإمكان إزالة الألم من هذا العالم، فالوجع قانون إلهّي. ولكّنني من بين الذين يعتقدون ويؤّكدون أّنه يمكننا القضاء على البؤس". فيكتور هوجو، مؤلف رواية البؤساء.
برز فى عام 2016 بعض الملامح التى توحي بوجود حالة عامة من البؤس أصابت نفوسنا، بحيث نشعر أننا كأشخاص أصبحنا نعيش دون هدف له معنى مثلنا مثل الحيوانات. بإمكاننا رصد حجم هذا البؤس من خلال عدة أداوت مثل  ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، برامج التلفاز الأكثر مشاهدة، الأفلام السينمائية الأعلى تقييمًا، الكتب والروايات الأكثر مبيعًا.
عندما نستمع إلى كلمة "البؤس" فأننا نتخيل هذا الشخص ذو الملابس المهترئة صاحب الذقن والشعر الكثيفان المنكب على كومة قمامة يبحث فيها عن شيء له قيمة ليبيعه ويشترى بثمنه بعض الطعام أو فى أحيانٍ أخري ليشتري بها سيجارة أو قرص مخدر، أو ذلك الطفل ذو العشرة أعوام الذي أرسله والده ليعمل صبي فى ورشة لإصلاح السيارات، ويبرحه ضربًا صاحب الورشة لكي يتعلم الصنعة، لكن في أحيان أخرى يرفق بطفولته ويحنو عليه ويلعنه بألفاظ نابيه فقط دون أن يضربه.
يمثل البؤس في أذهاننا الفقر المدقع والحياة القاسية شديدة الألم ضعيفة الإرادة كثيرة المصائب والابتلاءات قليلة الراحة و منعدمة الأمان، لكن قبل أن يصيب البؤس أمعائنا الخاوية؛ الحقيقة أنه يصيب قلوبنا ونفوسنا أولاً ثم ينتشر بدوره في باقي أنحاء الجسد متابعًا تدميره للإنسان الذي بداخلنا.
في السنوات الأخيرة أصبحنا نستمع إلى أسماء مؤشرات اقتصادية جديدة لم تكن موجودة قبل ذلك مثل مؤشر الدول الأكثر رفاهية و مؤشر الدول الأكثر بؤسًا، تقيس هذه المؤشرات معايير ثابتة وموحده في جميع الدول مثل ما هو موجود فى مؤشر البؤس العالمي فأنه يقيس معايير مثل: معدل التضخم ومعدل البطالة، بحسب هذه المؤشرات تبقي الدولة الأقل معدلاً في التضخم والبطالة هي الدولة الأقل بؤسًا. لكن تظل هذه المعايير غير دقيقة ومحل انتقاد فإذا ما قورنت بمعدلات أخري مثل الانتحار والوفاة نتيجة أمراض نفسية كالاكتئاب ستصبح هذه المؤشرات دون قيمة، فماذا يعود بالفائدة على الدولة إذا كانت معدلات البطالة والتضخم فى انخفاض لكن معدلات الانتحار فى ارتفاع، إذًا البؤس ليس متوقف فقط على الوضع الاقتصادي للبلد. أي أن الفقر والجوع والبطالة ليسوا أسوأ عوامل وجود البؤس ولكن يوجد ما هو أسوأ.
من الواضح أن البؤس المنتشر حاليًا هو نوعًا أخر من البؤس المتعارف عليه. ليس مبنى على حاجه مادية نهدف إلى إشباعها مثل المأكل والشراب والملبس وليس للاقتصاد تأثير قوي عليه، يمكننا أن نطلق عليه البؤس الإنساني.
أن تصبح إنسان بائس ليس بالضرورة أن تكون فقيرًا لا تجد لقمة العيش، انه مرض مثل أي مرض آخر يصيب الكبير والصغير والقوي والضعيف والغني والفقير، لكن الفارق هو فى مناعة الشخص لهذا المرض ومدى قدرة تحمل آلامه.
الاكتئاب والعزلة والوحدة هم أكثر أسباب الإصابة بهذا المرض، ومثله مثل جميع الإمراض له مسبباته وله أعراضه الجانبية وله أيضا دواءه. العلاقات الاجتماعية هي أهم عامل من عوامل حدوث المرض، الفشل في إنشاء علاقة عاطفية أو فقدان أحد المقربين أو تُأثرك بإصابة احدهم بمرض ما، كل هذا يؤدى إلي الشعور بحالة من الاكتئاب ومن ثم تصل إلى مرحلة البؤس.
 أدي تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلي زيادة الفجوة بين البشر وإخوانهم البشر وتعد هذه من الأسباب غير الظاهرة لهذا المرض، أننا أصبحنا في عالم مادي وقاسى إلى حد كبير، أصبحنا في عصر ينافس كل منا الأخر للحصول علي الفوز أو البطولات بل أصبحنا ننافس أنفسنا. أنه عصر الرأسمالية بحيث صار هدف الشباب هو الشهرة والمال، حتى الأطفال لم يعد يطمحوا أن يصبحوا سائقي قطارات أو ممرضات أو حتى صانعي العاب فيديو، لا يريدون سوى أن يصبحوا أغنياء فقط.
قد تعتقد انك لست مصاب بهذا المرض لكن إذا ذهبت للطبيب وأنت تشكو من مرض ما فهو يطلب بعض الأشعة والتحليلات لمزيد من الاطمئنان على حالتك، نفس الأمر سنفعله هنا. ليس عليك سوى أن توجه لنفسك بعض الأسئلة مثل: هل شعرت من قبل انك تحتاج إلى رفيق؟ كم مره لجأت إلى شخص ثم أحبطك بصده إياك؟ هل تشعر انه لا يوجد أحد يعرفك حق المعرفة؟كم مره فشلت في تكوين علاقة صداقة مستمرة؟هل تشعر أنك تعيش حياة دون معنى أو هدف؟  لكن يظل السؤال الأهم هل تشعر انك وحيد الآن؟
أين الدواء للشفاء من هذا المرض؟
لكي نصل للدواء ليس علينا سوى أن نتجنب أسباب وجوده الأصلية، أي نحصن أنفسنا ببعض الإجراءات الوقائية، لا تذهب إلى النار بقدميك وتحرق نفسك ثم تلومها، فقط عليك الحذر.



يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © دماغ للبيع

تصميم الورشه